هشام جعيط
137
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
للسكن ، وما طرأ من تصلب على ترتيب القطائع ، وهو ما يتضارب مع نسق الطرق المهوى جيدا ما عدا الأزقة مما أدى إلى ظهور مصاعب فورية . روى سيف أن الأعشار استقروا في هذا الحزام السكني « 1 » ، أي الوحدات الكبرى في معركة القادسية ، في حين أن « مواضع » خصصت للمقاتلين الذين كانوا يحرسون الثغور ، وقد غابوا عن الكوفة ( ولا سيما عبس ) « 2 » . لكن ها أن الروادف بدأوا يتوافدون ، وقد كانوا من المهاجرين الذين جاؤوا حديثا ، على دفعتين متواليتين ، منذ خلافة عمر « 3 » . وضاق المكان على المقيمين الأوائل في الحال ، وذلك دليل على أن الخطط حددت بصفة كبيسة ، وأن مجال السكن كان كثيفا عموما إلى حد الشطط . وقد تبين فورا أنه كان لا يكفي ، وما عقّد الوضع كثيرا أن العرب لم يكونوا يتصورون أي تجمع للسكن خارج إطار العشيرة والقبيلة عموما . وأدى هذا إلى إدخال التحويرات والتنقلات والمبادلات ، في مستوى العشيرة والقبيلة . فإذا ما تكاثر المهاجرون الجدد المنتمون إلى عشيرة أو مجموعة من العشائر المستقرة سابقا ، فإنهم يجذبون إليهم أبناء عمومتهم الذين يتخلون عن دورهم ويلحقون بهم حيث يقيمون « 4 » ، أي خارج مجال الخطط ، وربما بالأطراف أو في الفجوات الكبيرة . من البديهي أن هذا قد حصل لاستحالة توسيع مجال السكن وقد حصره نسق الطرق ولأنّ عرضه محدود ، ولأنّه يتفرع إلى قطائع أو خطط غير قابلة للاتساع - نظرا لوجود عشائر أو قبائل أخرى مجاورة وهي بصورة قسرية محددة - فتظهر بمظهر الوحدات الثابتة الصلبة أو الأراضي القبلية التي لا يمكن عبورها . وخلافا لذلك ، حيث يكون الروادف قليلي العدد ، فإن رجال عشيرتهم يجلبونهم إليهم ، ويفسحون لهم المجال ولو أدى ذلك إلى الضيق ، بعد مراجعة تهيئة مجالهم ، وإما بإقرارهم في مكان المغادرين إذا أسعفهم الحظ وكانوا من أجوارهم « 5 » . فهل كانت تنقلات من الصنف الأول تبين سبب إقامة أحمس ، إحدى عشائر بجيلة الكبرى ، قريبا من الجبانة « 6 » ، بحيث أقاموا بعيدا عن مجموع القبيلة ، وأنّ تميما وأسدا وعبسا تجمعوا في الطرف الغربي « 7 » ، أي من جهة الكناسة « 8 » ، حيث يوجد مجال أوسع
--> ( 1 ) الطبري ، ج 4 ، ص 45 . ( 2 ) المرجع نفسه ، ج 4 ، ص 44 . ( 3 ) المرجع نفسه ، ج 4 ، ص 45 . ( 4 ) الطبري ، ج 4 ، ص 45 . ( 5 ) المرجع نفسه ، ج 4 ، ص 45 . ( 6 ) اليعقوبي ، كتاب البلدان ، ص 311 . ( 7 ) المرجع نفسه ، ص 311 . ( 8 ) كتاب الأغاني ، ج 15 ، ص 110 ؛ . Massignon , op . cit . , p . 53 ;